"لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (مت 6: 24)
لا يوجد تعارض بين الله والمال. فالمال يرمز للخير المادي، ولا يمكن أن يوجد تعارض بين الله وبين أي خير، لأن الله هو مصدر كل خير، مكتوب " كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع 1: 17)
التعارض ليس بين الله والمال لكنه بين خدمة الله وخدمة المال، لأن الشيطان يريد أن يحارب الله وعمل محبته في الإنسان بأن يُغري الإنسان بمحبة المال فيصوّر له أن سعادته وراحته لا بل وحياته إنما هي في المال، وإذ ينجح الشيطان في إقناع الإنسان بعظمة المال فهو إنما يستعبد الإنسان للمال فيفقده جوهر حياته في شركته مع الرب ويصبح الإنسان خادماً للمال وليس المال خادماً للإنسان.
وحين قال المسيح لا يقدر أحد أن يخدم سيدين أراد أن يبيّن لنا خطورة سيادة المال، لأن سيادة المال على خدّامه تصل إلى مقارنتها بسيادة الله على خدّامه، لذلك أكّدَ المسيح قائلاً لا تقدرون أن تخدموا الله والمال، وذلك لأن سيادة المال تتعارض تماماً مع سيادة الله، فمن يسود عليهم المال يؤمنون بفاعليته وقوته في حياتهم فيقودهم المال إلى التكبر والابتعاد أكثر عن الله.
ومن يسود عليهم الله يؤمنون بفاعليته أيضاً وقوته العاملة فيهم فيتكرسوا تماماً لله ويرفضوا أي سيادة أخرى عليهم، فهاتان السيادتان لا يمكن أن يلتقيا لأنهما ضدان، لذلك فسّرَ لنا المسيح موقف الإنسان منهما قائلاً "لأنه إما أن يُبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر." لأن الإنسان عندما يضع ثقته وجهده وحياته لخدمة السيد الذي اختاره (إما الله وإما المال) فهو بالتالي يحتقر الآخر ولا يؤمن به ولا يصدق وعوده.
-----------------------------------------------------------------------------
[] لكن هل لو اختار الإنسان أن يخدم الله وليس المال فهل معنى هذا أنه سيعيش معوزاً محتاجاً؟ []
إطلاقاً، وقد أجاب المسيح على هذا السؤال بكل وضوح في بقية كلامه في الأعداد التالية قائلاً:
"25 «لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟
26 اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟
27 وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟
28 وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ.
29 وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا.
30 فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟
31 فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟
32 فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا."
(مت 6: 25-32)
فالله يريد أن يسدد احتياجاتنا عن طريق الإيمان والالتجاء إليه، وطلب ملكوته أولاً، وليس عن طريق الاعتماد على الأموال والممتلكات التي يصفها الكتاب بأنها "غير يقينية".
أن أول وأهم عطية صالحة يريد الله للإنسان أن يقبلها هي شخص الرب يسوع المسيح "الذي أُسلِم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا". فالعشرة مع الرب يسوع تمتعنا بكل عطية صالحة وكل موهبة تامة معه، وليس بعيداً عنه، بل "معه" وفيه وبه يمنحنا الله "كل شيء بغنى للتمتع"
--------------------------------------------------------------------------
عزيزي القارىء
الغِنَى الحقيقي هو في استمتاع الأنسان بالشركة مع الرب يسوع المسيح كخادم له، وفي نفس الوقت رفض أي سيد آخر على حياته, كما علَّمنا المسيح له المجد "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين. لأنهُ إما أن يُبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر."
وليهَبنا الرب نعمة لنحبه ونستمتع به ومعه وفيه بكل شيء.
ولإلهنا كل المجد إلى الأبــد...آمــــين.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire